السعيد شنوقة
280
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
فيه لا محالة لجري إطماعه مجرى وعده المحتوم وفاؤه به » ثم قال : « ولعل لا تكون بمعنى كي ولكن الحقيقة ما ألقيت إليك » « 1 » . وأضاف بأنه « لا يجوز أن يحمل قوله ( خلقكم - لعلكم تتقون ) على رجاء الله تقواهم لأن الرجاء لا يجوز على عالم الغيب والشهادة ، وحمله على أن يخلقهم راجين للتقوى ليس بسديد أيضا ، ولكن لعل واقعة في الآية موقع المجاز لا الحقيقة لأن الله عز وجل خلق عباده ليتعبّدهم بالتكليف وركّب فيهم العقول والشهوات وأزاح العلّة في أقدارهم وتمكينهم وهداهم النجدين ، ووضع في أيديهم زمام الاختيار ، وأراد منهم الخير والتقوى فهم في صورة المرجو منهم أن يتقوا ليترجح أمرهم وهم مختارون بين الطاعة والعصيان كما ترجحت حال المرتجي بين أن يفعل وأن لا يفعل » « 2 » . فالله سبحانه لما وضع في أيديهم زمام الاختيار وأراد منهم الطاعة وهي رأي المعتزلة نصّب لهم مع ذلك أدلة عقلية ونقلية تدعو إليها ، ووعد وأوعد وألطف وهم بذلك قادرون على اختيار الطاعة مع تمكنهم من المعصية يشبهون حال المرتجي منه في رجحان اختياره لما يرتجى منه مع تمكنه من غيره « 3 » . وهو حين يقول في تفسيره السابق « وأراد منهم الخير والتقوى » يعزز ما يراه المعتزلة في أنّ الله تعالى أراد من العباد الخير لا الشر « 4 » خلافا لأهل السنة الذين يعتقدون أنه سبحانه أراد من كل ما وقع من خير وغيره إلا أنه طلب من الجميع الخير والتقوى « 5 » ؛ فالحوادث عندهم بإرادة الله عز وجل والأمر ينفك عن الإرادة وبنوا إبرازهم الفرق بين الإرادة والطلب على دليل من القرآن الكريم : وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً [ هود : 118 ] بأنه حجة ظاهرة على أن الأمر غير الإرادة ، وأنه تعالى لم يرد الإيمان من كل أحد ، وأن ما أراده يجب وقوعه . ومنه أنه سبحانه نهى عن قتل المؤمنين : حمزة وأصحابه وأراد قتلهم ، ونهى آدم عن أكل
--> ( 1 ) الكشاف ، ج 1 ، ص 229 . ( 2 ) م ن ، ج 1 ، ص 231 . ( 3 ) انظر حاشية الشريف الجرجاني ، الكشاف ، ج 1 ، ص 231 . ( 4 ) انظر الزركشي ، البرهان في علوم القرآن ، ج 2 ، ص 89 . ( 5 ) يرى جمهور أهل السنة : أن الله لا يحب الكفر والفسوق والعصيان ولا يرضاه ، وإن كان داخلا في مراده كما دخلت سائر المخلوقات .